اضغط هنا لتحميل الدرس في صيغة PDF
الوحدة
المعجمية: مفهومها وقضاياها في المعجمية النظريّة
المعجميّة علم ينقسم
إلى معجميّة نظريّة ومعجميّة تطبيقيّة. أمّا المعجميّة النظريّة فتتناول الوحدة
المعجميّة (unité lexical/lexical unit) وتدرس ما يتّصل بتعريفها وتكوينها وتصنيفها ومختلف العلاقات
التي تنسجها مع سائر الوحدات المعجميّة في لسان ما. وتدرس كذلك مسألة توليد
الوحدات المعجميّة الجديدة ومختلف القوانين التي تفسّر هذا التوليد. وسنتناول في
هذا الدرس مختلف هذه القضايا النظريّة مركّزين على قضايا الوحدة المعجميّة في اللسان
العربيّ.
I - تعريف الوحدة المعجميّة:
لكلّ علم مجال نظر وكما أنّ
الصوت هو مجال نظر علم الأصوات والمعنى هو مجال نظر علم الدلالة فإنّ الوحدة
المعجميّة هي مجال نظر المعجميّة النظريّة. فما هو المقصود بالوحدة المعجميّة؟ وما
هي أصنافها ومكوّناتها؟ ولماذا لا يكتفي المعجميّون بمفهوم الكلمة باعتبارها مفردة
ضمن قائمة المفردات التي يتيحها المعجم الذهنيّ في كل لسان؟
1- هل تمثّل الكلمة أدنى وحدة
معجمّية دالة؟
مفهوم الكلمة(mot/word) شائع في استخدامنا ويبدو للوهلة الأولى في التصوّرات الكلاسيكيّة
(اللسانيّات التاريخيّة) ممثّلا لأدنى وحدة دالة يمكن أن تتكوّن منها مفردات
المعجم؟ فهل يكون المعجم قائمة من الكلمات؟ وهل يكون القاموس مدوّنة لشرح معاني
الكلمات؟ المعجميّة المعاصرة تعتقد أن مفهوم الكلمة لا يمكنه أن يمثّل نظام المعجم
فالدراسات المعجميّة لا تطمئن إلى هذا المفهوم وتنبّه إلى ما يطرحه الاعتماد عليه
من إشكاليّات عويصة تمنعه من أن يكون مفهوما مناسبا للدراسة المعجميّة. ويمكن أن
نذكر من هذه الإشكاليّات نماذج تبيّن لنا كيف يكون مفهوم الكلمة لا يمثّل الوحدة
الدنيا للمفردات المعجميّة:
- الكلمة وحدة جزئيّة مشتقّة
من مفهوم عامّ وأوسع هو الكلام. والكلام كما يحدّده دي سوسير استعمال فرديّ للّغة.
ونذكّر هنا بالثنائيّة السوسيريّة اللغة/الكلام بين النظام والاستعمال. فالكلمة من
الكلام فهي وحدة إنجازيّة وليست من اللغة فهي إذن ليست وحدة شكلية نظاميّة. وكما
رأينا في الدرس السابق المعجم ليس مجرّد قائمة من المفردات التي يستعملها المتكلم
بل هو أيضا رصيد ذهنيّ ينتمي إلى مجال اللغة باعتبارها نظاما مجرّدا كامنا في
الذهن. ولذلك يحتاج المعجميّ إلى مفهوم مختلف عن "الكلمة" يكون أكثر تعلّقا
بالنظام مثل مفهوم "الوحدة المعجميّة" (unité lexicale) أو مفهوم العَجْمَم أو اللكسيم (lexème).
- الكلمة تكون مستقلة كتابة
ونطقا وتقطيع الجمل إلى كلمات منفصلة لا يعني أن كل كلمة تمثّل وحدة معجميّة. الكلمة
وحدة لسانيّة غير ثابتة الخصائص فقد تكون حرفا (و/فـ/بـ /لـ) وقد تضمّ مجموعة من
الوحدات الدالة داخلها لتكون مساوية لمفهوم الجملة كما في: "أوسألتمونيها"
/ "فسيكفيكها" / "أفسيعلّمونه". إذن الكلمة يمكن أن تكون وحدة
معجمية ويمكن أن تكون وحدة نحويّة ولذلك لا يمكن أن تختصّ بالمستوى المعجمي دون
غيره. فما هي المفاهيم البديلة التي تعتمد عليها المعجمية النظرية في تقطيع رصيد
المعجم إلى وحدات دالّة؟
2- المفاهيم اللسانيّة البديلة عن
مصطلح كلمة في المعجمية النظريّة:
بما أن المعجميّة النظريّة
فرع من اللسانيات العامّة فإنّها استفادت من إرث المفاهيم اللسانية البنيوية في
تحليل الأقوال إلى وحدات دالة. ليس كل مفهوم لساني بديلا عن مفهوم الكلمة بل قد
يمثّل مظهرا يتعلق بالجانب الشكلي أو الصرفي أو الدلالي للوحدة المعجميّة مثل
(الدال/المدلول/الصرفم/ المرجع/ اللفظم/السمة الدالية) أمّا أهم المفاهيم التي
تكوّن بديلا لتصور الكلمة فهي أساسا مفهوم العجمم (لكسيمlexème ) أوالوحدة معجميّة(unité lexicale).
*مفهوم الدليل
اللغويّ: يتكوّن من دال ومدلول (signifiant/signifié). ويستند تحليل معنى الكلمة عند البنيويّين
إلى ثنائيّة دي سوسير الدال/المدلول. فكلّ كلمة لها وجود شكلي في نظام اللغة
دال(صورة أكوستيكية/سمعيّة) يرتبط اعتباطيّا بوجه دلالي شكلي هو المدلول (صورة
ذهنيّة).
*مفهوم المرجع référent: معنى كلمة "قلم" هو ما
يرتسم في الذهن من مدلول (الأداة التي نكتب بها). هذا المفهوم يختلف عن القلم في
حدّ ذاته (المرجع المتحدّث عنه référent ) فمعنى الكلمة (قلم، أسد، نور..) ليس الأداة أوالحيوان أو الضياء
الذي نراه بأعيننا في وجوده الحسّي بل ما نرسمه بأذهاننا من معنى حتى في غياب تلك
الأشياء. فلو قلت لك "ديناصور" فإن المعنى سيكون صورة ذهنية ولا يمكن أن
يكون شيئا حقيقيا يوجد أمامك.
*مفهوم
الصرفمmorphème : الصرفم هو الوحدة الدنيا الدالّة في تقطيع الكلام ويقع
تقسيمها إلى صواتم. فمثلا لو حللنا هذا القول: "الحالم بالمجد عليه أن
يعمل." فسنجده يتكوّن من الصرافم:
الـ +حالم+ بـ + الـ+ مجد+ على +
ـه + أن + يـ+عمل+Ø
نلاحظ أنّ كل جزء دال من الجملة مثّل صرفما والصرفم بهذا
المعنى مفهوم مجرّد: يمكن أن يتحقّق صوتيّا : كتاب : ــه/حالم/ أن ، ويمكن أن يكون مجرّدا غير متحقّق صوتيّا: يعمل
+ Ø (أنتَ)
ويمكن أن يتحقّق في الكلمة الواحدة مجموعة من الصرافم:
يـ/عمل/Ø.
هذا التحليل يرتبط بمفهوم التحليل إلى المكوّنات
المباشرة لسلسلة الجملة وهو من اقتراح المدرسة التوزيعيّة البنيوية الأمريكيّة. ويتدرّج
من الجملة إلى المركّب إلى الصرفم إلى الصوتم.
في التحليل الصرفي (analyse morphologique) يقع تقطيع الجملة إلى أجزاء دالة ولا يقصد البنيويّون بذلك
الكلمة في طابعها المادّي المتحقّق بل في طابعها المجرّد ومن خلال وظيفتها في نظام
اللغة. وبذلك يعتمدون في تحليل الجملة على وحدة الصرفم (morphème). يقع تقسيم الصرفم إلى
أنواع:
|
الصرفم |
تعريفه |
أمثلة |
|
الصرفم
البسيط morphème simple |
وحدة
معجمية بسيطة تتكون من لفظ واحد ولا تتركب من لفظين |
كتاب –
ابن – حصان - زهر |
|
الصرفم
المركّب morphème composé |
وحدة
معجميّة تنتج عن تركيب لفظين أو أكثر من لفظين. |
مّمن/يتساءلون/
لاشعور |
|
صرفم حرّ morphème libre |
يشكل
كلمة منفصلة ويوجد منفصلا عن بقية الألفاظ |
كلام/
الذي/عن |
|
صرفم
متّصل morphème lié |
لا يكون
إلا جزءا من لواصق كلمة ولا يستقل بنفسه |
يــ /ـون
/ ــان / بـ |
|
صرفم
بديل allomorphème |
طريقة
مختلفة في رسم نفس الصرفم |
مُرْ/اِمر سَلْ/اسأَلْ هيا/أيا بكّة/مكّة |
|
صرفم
مقطعي morphème segmental |
الصرفم
له معنى وهو جزء/ مقطع من الكلمة أو يمثّلها كلّها |
(ــها كتاب)
كتابها |
|
صرفم
مافوق مقطعي morphème suprasegmental |
صرفم
يحقّق معنى لكنّه لا يتحقّق باللفظ بل بطريقة نطقه وأدائه الصوتي. |
تغيم
الاستفهام: جئت
الآن؟ |
|
صرفم
نحويّ Morphème grammatical |
جزء من
كلمة يمثّل لاحقة أو سابقة تصريفية أو اشتقاقية أو إعرابيّة |
يـ /
ـون/بـ/ الـ |
|
صرفم
معجميّ Morphème lexical |
كلمة
مستقلة عن غيرها من الكلمات |
مجلس -
كرسي |
|
صرفم واحد Morphème unique |
جزء من
تعبير مسكوك |
سرّ من
رأى |
* مفهوم
اللفظمmonème : قدّم مارتنيه تصوّرا مختلفا للدال عند تحليل الجملة
إلى وحدات صرفيّة وتدقيق لما يعتور مفهوم الصرفم من غموض. وسمّى طريقته في التحليل
التقطيع المزدوج (double
articulation) ويقوم
هذا التحليل على وجود مستويين من التقطيع:
* تقطيع أوّل: للجملة إلى وحدات دالة سمّاها لفظم(monème) (مفهوم يشبه مفهوم الصرفم).
*
تقطيع ثان: لكل وحدة
دالة (لفظم) حيث تنقسم إلى مجموعة من الصواتم.
لفاظم: في / ال/تأنّي/ ال/ سلامة صواتم: ف/ي ا/ل – ت/أ/ن/ن/ي /ال/
س/ل/ا/م/ة
* أنواع
اللفاظم: جعل
مارتنيه اللفاظم تنقسم إلى أنواع أساسيّة:
- لفظم مستقلّ: (monème autonome) مستقل كتابة ومعنى : كتاب، رجل، مدينة.
- لفظم
وظيفيّ: (monème
fonctionnel) يستقل
كتابة لكنّه لا يستقل بدلالته بل تكون وظيفته أن يبيّن دلالة الكلمات: غير، الذي،
على، من، ما ...
- لفظم
تابع: (monème
dépendant) لا يستقل
بوظيفته ولا يحقّقها من خلال علاقته ببقية الألفاظ بل هو جزء من الكلمة مبنى
ومعنى: ـة،
الــ، ـــون (اللواصق)
*
الوَحْدة المعجميّة: (unité lexical) مفهوم يناسب كل مفردة من مفردات المعجم سواء
أكانت حرّة أو تابعة. ويقع النظر إلى الكلمة لا باعتبارها لفظا منطوقا منجزا بل
باعتبارها جزءا من رصيد المعجم في الذهن (المعجم رصيد الكلمات المتاحة في أذهان
المتكلمين بلسان ما وهو قابل للحصر في قاموس). هذا المستوى المجرّد للكلمة في
المعجم يجعلها في نظام اللغة وحدة معجميّة أي كيانا مجرّدا يسمّى lexèmeويترجم بـ (عَجْمَمْ / لكسيم /
وحدة معجميّة). وهو عبارة عن صرفم مستقلّ (كتاب، قرأ...) أو صرفم وظيفيّ (قد،
لو...).
- نلاحظ وجود فرق بين نوعين من الوحدات المعجميّة في نظام المعجم:
1*وحدات معجميّة لها استقلال معجميّ: تسمّى أيضا (صرفم معجميّmorphème lexical) أو (لفظم مستقلّ) مثل: حصان، كون، قلم،
نور... 2*وحدات معجميّة ليس لها
استقلال معجميّ: تكون مرتبطة بغيرها وتسمّى "صرفم نحويّ" (gramème/morphème grammatical) أو "لفظم وظيفيّ أو تابع: مثل: تــ،
ـــان، من، لو، ـــات...)
- تقسّم الوحدات المعجميّة إلى أنواع بمقاييس مختلفة:
حيث تكون بسيطة أو مركّبة أو سياقيّة :
-
الوحدة المعجميّة البسيطة: كأس، كتاب، صاروخ، أمل ...
-
الوحدة المعجميّة المركّبة: ميتالساني، برمائيّ...
-
العبارات السياقيّة/التعابير المسكوكة: كلمات مترابطة
في الاستخدام لها وظيفة كلمة واحدة من جهة المدلول حيث تدل على معنى واحد: مثل خطر
موت، شقائق النعمان، خط أحمر، الزاوية تسعين...
- الوحدة المعجميّة في علم المعجميّة يمكن أن
تدرس من جوانب مختلفة وهي جوانب مترابطة وهي:
* الانتماء المقوليّ: لكل وحدة
معجمية مقولة تنتمي إليها ضمن أقسام الكلام مثال (قال: فعل/قول: اسم)
*الشكل الصوتيّ: الوحدة المعجمية
لها جانب دال (مقابل المدلول) وهو يتكون من خصائص صوتمية وقد تعتريه تغييرات
صوتية. (قال: فيه تغييرات صوتية حدثت في الواو [عين الفعل] فأصله قوَلَ)
* الشكل الصرفيّ: الوحدة المعجميّة لها بنية
ووزن وخصائص بنيوية في تكوينها اشتقاقيا وتصريفيا وهذه من خصائص مكوّن الدال في أي
دليل لغوي (قال: وزن فعل، أجوف، ثلاثي مجرّد، صيغة الماضي...)
*الدلالة: الوحدة المعجميّة لها مدلول فهي
تدل على معنى يمكن عبر السمات الدلالية أو الطراز أوغيرهما.
* اللكسيم Lexème: هناك مفهوم لسانيّ أكثر تخصيصا من
مفهوم الوحدة المعجميّة وهو مفهوم اللكسيم/ العجمم lexème ويتعلّق بالكلمة الواحدة البسيطة أو المركّبة (كأس-برمائي). وتعتمد عليه المعجميّة النظريّة في تحديد الطابع الشكلي المجرّد
للوحدات المعجمية وهو يرادف تقريبا مفهوم الصرفم المعجميّ وهو بذلك يقابل الصرفم
النحوي ويمثّل الوحدة الدنيا الدالة في نظام المعجم المستقلة بنفسها. ويدخل مفهوم
الللكسيم في المعجمية النظريّة ضمن مقابلات مفهوميّة مختلفة:
-المفردة مقابل اللكسيم: المفردة جانب
إنجازي (كلام/مدونة) واللكسيم جانب نظامي (لغة/ذهني).
- اللكسيم مقابل الصرفم النحوي: اللكسيم
يستخدم في علم المعجمية والصرفم يستخدم في التحليل النحوي للجملة. ويقابل اللكسيم
باعتباره صرفما معجميا ما يطلق عليه النحوم أو الصرفم النحوي gramème
- يدخل اللكسيم في مقابلة مع مفهومين
آخرين وهما العبارة المسكوكة (locution) والمثل (adverbe): فالعبارة المسكوكة هي ضرب من الوحدة المعجمية المعقّدة التي
تتكوّن من كلمات جامدة في تركيبها مكتفية بنفسها
يقع استخدامها كلها معا وهي تشبه الأمثال لكنها تختلف عنها وتستخدم في المواقف
والتحية والاستهلال والدعاء مثل(ليت شعري، أهلا وسهلا، لله درّك، هلمّ جرّا...)
أمّا المثل فهو تعبير مختصر مستلّ من مقامه الأوّل وتبقى فيه آثار ذلك المقام
الأول ويجري استخدامه في مواقف جديدة بنفس العبارة مثل "مكره أخاك لا بطل/
على نفسها جنت براقش"
- اللكسيم: يتكوّن من دالّ/مدلول:
يقسّم الدالّ إلى صواتم والصوتم إلى سمات صوتميّة. أمّا المدلول فيكون وحدة دلالية ذات معنى معجمي تسمّى
مَعْنَم (sémème) مثل معنى/كرسيّ/ /حائط/ /عين/ ... ويناسب
هذا المفهوم (المعنم) جانب المدلول في تصوّر دي سوسير للدليل. وهو يدخل في دراسة
الجانب الدلالي من الوحدة المعجمية. والمدلول باعتباره وحدة دلاليّة (المعنم) يمكن
تقسيمه بدوره إلى ذرّات دلاليّة تسمّى معينمات (sèmes)أي سمات دلاليّة مثال: الكرسيّ = (+مقعد+ فرديّ + خشبيّ+ متكأ+
أرجل).
3- أمثلة لأصناف الوحدات المعجميّة في
المعجمية النظريّة:
|
الوحدة المعجميّة
البسيطة unité lexicale simple |
مكونة من لفظ واحد: كتاب، ضربَ، قد، بغداد، القدس،
الحقّ، الذي. وحدة معجميّة حرّة : قد في، كتاب، هو وحدة معجميّة مقيّدة : لـ بـ، ــه ، الــ |
|
الوحدة المعجميّة
المركّبة composée |
مكوّنة من مجموعة ألفاظ تقع معجمتها فتصبح لفظا
واحدا ذا معنى واحد: برمائيّ، شقائق النعمان، رأس المال، حضرموت، اللامركزيّة،
زيديّة، إنسانيّ، ماوراء لساني، نوّارعشيّة... |
|
الوحدة المعجميّة
المعقّدة complexe |
تتكوّن من مجموعة كلمات متوالية جامدة: في نفس
التركيب: وتسمّى العبارات المسكوكة: أهلا وسهلا، أو أمثلة مثل: بيدي لا بيد عمرو. |
|
الوحدة المعجميّة
المتضامّة/التضامّ/ المتصاحبات collocution |
تصاحب وحدتين معجميتين وترابطهما في الاستعمال
فتستدعي الواحدة منهما الأخرى لكن ترابطهما ليس إجباريا إذ يمكن فك الارتباط في
استخدام جديد ويمكن استخراج المعنى من معاني المفردات المكونة لها: تارة وطورا/ يقطع خطوة/ شيئا فشيئا/ أولا وأخيرا/
مكة المكرّمة/ تونس الخضراء/ القدس الشريف/ القرآن الكريم/ الصديق الحميم/
سيداتي سادتي/ الحديث الشريف/ سرعة جنونية... |
|
العبارة الاصطلاحية/
المتلازمات Idiomes Locution idiomatique |
كلمات لا يمكن أن تستخدم إلا مترابطة ومتلازمة ولا
يمكن استخراج معانيها من حصيلة معاني الكلمات المفردة المكونة لها بل ينظر لها
على أنها معنى واحد: شقائق النعمان، تأبّط شرّا، ابتسامة صفراء، هذا خط أحمر،
أعطاه الضوء الأخضر، السوق السوداء، السلاح الأبيض، خفيف الروح... |
|
العبارة التحليلية |
عبارة تتركب من مجموعة كلمات وهي قابلة للتحليل إلى
حصيلة المعاني التي ترتبط بكل كلمة مثال: كلمة الرئيس، القدس الشرقيّة، الإسراء
والمعراج، أولى القبلتين، ثالث الحرمين، الحابل والنابل. |
4 – أنواع الوحدات المعجميّة في اللغة العربيّة:
يميّز العرب قديما في علوم
العربيّة بين اختصاصين كبيرين: علم اللغة ويضطلع بها اللغويّ وعلم النحو ويضطلع به
النحويّ. أما علم اللغة مجال اهتمامنا فيقصد بها المعجم. وقد رأينا أن بوادر
اهتمام العرب بهذا الاختصاص كانت مبكّرة جدا مع عبد الله بن مسعود وخاصّة مع
الخليل تنظيرا وتطبيقا. ويبدو أنّ اهتمام اللغويين بالرصيد المعجمي في كلام العرب
كان يستند إلى وعي نظري بالفوارق بين ما استحدث (المولد) وما كان قديما عربيّا
خالصا (الفصيح) وبين ما كان مستمدّا من لغات أخرى غير العربيّة ووقع إخضاعه
لمقاييس العربية (المعرب) وما وقع اقتراضه من لغات أخرى غير العربية وبقي على
عجمته(الدخيل).
* الفصيح : هي الوحدات المعجميّة التي استخدمها العرب الفصحاء
الذين كانوا يعيشون في بيئة بدوية لم تخالطها ألسنة أعجمية. وقد جمع اللغويون الألفاظ
الفصيحة من قبائل بعينها تقع في البوادي البعيدة عن الاختلاط مع الدول المجاورة
وحدّدت نهاية فترة الفصاحة بآخر القرن الثالث للهجرة في البوادي وأواخر القرن الثالث
في البوادي وبعضهم يراها تمتدّ إلى بداية القرن الرابع في بعض البوادي. ومن
القبائل التي اطمأن اللغويون إلى عربيّتها وعُدّت لغتها فصيحة: قريش وقيس وأسد وطيء وهذيل وتميم وأسد وكنانة. ومن الألفاظ
الفصيحة؛ أمّ، الحاجة،
الجعراء، جناية، الحنضل...وقد عُدّت الألفاظ التي وردت في القرآن والسنّة من
الفصيح مثل الزكاة والصلاة والصيام ....
– المولّد : كل
لفظ وقع توليده ودخوله للرصيد المعجمي بعد انقضاء عصر الرواية والفصاحة عند العرب.
وقد اختلط العرب في هذه الفترة مع الفرس والهند والأحباش وغيرهم من الأقوام من ذوي
الألسنة المختلفة عن العربية ودعت الحاجة إلى استنباط ألفاظ جديدة في العربية
سمّيت المولّد لأنها ولدت بصفة متأخرة عن الألفاظ الفصيحة وإن شاركتها في الجذر
ولذلك يعني المولّد الألفاظ الّتي استخدمت بعد آخر القرن الثاني للهجرة في المدن
وآخر القرن الثالث في البوادي مثل: الجيش، المقامة، المعتزلة، الأمّة...
– المعرّب : هو اللفظ الأجنبي (الأعجميّ) الذي
أضيف إلى رصيد العربيّة ولم يكن قديما من عصر الفصاحة ولا ولّده العرب من الجذور
العربيّة بل جاء من لغة أخرى ولكنهّ أُخضع لأوزان العربيّة بعد تغييره بحذف بعض
الأصوات أو زيادة أخرى مثل: فلسفة (اليونانية)
المتر(الانجليزية) تلفزة، المغازة، (الفرنسيّة) الأستاذ، جورب، جردقة، الصّرد، بهرج
(الفارسيّة) البنك، (اللاتينية)...
– الدّخيل : هو وحدة معجميّة أخذت من لغة أجنبيّة
وحافظت على صيغتها الأجنبية فلم تدخل في أوزان العرب بالزيادة والنقصان فبقيت بلا
تغيير :كوميديا، كمبيوتر، أنترنات، تراجيديا، تاكسي...
- المُحدث
: وحدات معجميّة ولّدها
المحدثون في عصرنا الحديث ولم يكن لها وجود عند القدامى فهي ليست من الفصيح أو المولّد
منها: المدرسة، المرطّبات، السيّارة، الدرّاجة، الصاروخ، العجلة، الفضاء...
5 - مكوّنات الوحدة المعجميّة:
من زاوية نظر معجميّة كل
وحدة معجميّة لها خصائص صوتية وصرفيّة ودلاليّة نظاميّة يمكن أن نستنبط قوانينها
ونستخرج خصائصها. ولذلك تقسّم الدراسة المعجميّة إلى فروع ثلاثة بحسب الجانب الذي
يقع التركيز عليه في الوحدة المعجميّة، ومن هنا تتكوّن الوحدة المعجميّة من ثلاث مكوّنات:
* المكوّن الصوتي: الوحدة المعجمية باعتبارها دالاّ لها خصائص صوتمية
وقد يطرأ عليها تغيير صوتي من قلب أو إبدال أو حذف أو إدغام. ولا يمكن للوحدة
المعجمية أن توجد بدون توليفة صوتيّة تجعلها بنية من الأصوات المتتابعة لها خصائص
صوتميّة معلومة. فالوحدات المعجميّة: آمن / جَدّ/ قَال/وقى لها خصائص صوتية تجعلنا
نميّزها ونميز ما يطرأ عليها من تغييرات صوتيّة.هذه الدراسة الصوتمية يطلق
عليهااسم الصوتمية المعجميّة (phonologie lexicale)
* المكوّن الصرفيّ: يقع التمييز في الدراسة المعجميّة بين نوعين من
الدراسة الصرفيّة. أما الدراسة الأولى فتسمّى علم الصرف الاشتقاقي (morphologie dérivationnelle) وهو وثيق الصلة بالمعجميّة لأنه يتناول طرق توليد الوحدات المعجميّة في
المعجم: مثال: (ك،ت،ب⃪ كاتب، مكتوب، مكتب، مكتبة، استكتاب...) وهذا النوع
من التوليد للكلمات اشتقاقيا يخضع لموازين قياسية معلومة (اسم الفاعل اسم المفعول،
المصدر...). وتهتمّ الدراسة الصرفيّة المعجميّة بما يضاف لجذور الوحدات المعجميّة من
زوائد اشتقاقيّةتؤدّي في النهاية إلى توليد وحدات معجميّة جديدة: (زيديّ/ استـ-كتاب/حوسبة...).
أما النوع الثاني فهو علم
الصرف التصريفي (morphologie flexionnelle) وهو لا
يرتبط بالمعجم بل بالنحو فمثلا لو أخذنا الوحدة المعجمية (مكتبة، كاتَبَ) يمكن أن
تتصرّف بحكم وجودها في الجملة بطرق مختلفة مثل: مكتبة المكتبة مكتبتان، المكتبات/
كاتب يكاتب لن يكاتب...، وهذا التغيير التصريفي ليس من اهتمامات الدراسة المعجمية
بل من اهتمامات النحو.
من هنا نلاحظ أن الوحدات
المعجمية التي تحمل في تكوينها أكثر من صرافم تكون فيها زوائد اشتقاقية ووظيفتها
معجمية (توليد وحدات جديدة: مكتب، مكتبة، مستكتب، كتيّب...) أما الزوائد التصريفية
فهي لا تضيف وحدة معجمية جديدة بل تحافظ على نفس الوحدة وتجعلها في صيغ مختلفة (مكتبة
المكتبة مكتبتان....) أمّا الوحدات المعجميّة البسيطة التي تتكوّن من صرفم واحد (كتاب،
بيت، سماء) ولا تخضع للاشتقاق فيدرسها صرفيّا علم الصرف المعجمي (morphologie lexicale) فيحدد انتماءها المقولي وشكلها الصرفي ومن
أمثلة ذلك: رجل (اسم جنس، اسم عين...) شجرة (اسم جنس، معدود، مؤنّث...)، تمر (اسم
جنس، غير معدود...)، سفرجل...
* المكّون الدلالي: كلّ وحدة معجميّة هي عبارة عن دليل يتكوّن من وجهين:
دالّ يدرس صوتيا وصرفيا ومدلول يدرس دلاليا. فالمدلول صورة ذهتية عن المعنى
المقصود من كل كلمة. إن اعتبار كل وحدة معجميّة حاملة لمعنى (مدلول) هو ما يبرّر
اعتبارها أدنى وحدة دالّة إذ لا يوجد بعدها إلا الصوتم (ليس له معنى). ومن الملاحظ
أنّ الجانب الدلالي للوحدة المعجميّة له الكثير من المظاهر منها:
- الدلالة المعجميّة ترتبط
بالوحدة المعجميّة في استقلالها عن النحو ولذلك يقع التمييز بين الدلالة المعجميّة
(معنى كلمة كرسيّ في حدّ ذاته بعيدا عن التراكيب النحويّة) والدلالة التركيبيّة (معنى
الفاعلية أو المفعولية في كلمة كرسي في الجملة: كسرت الكرسّيَ/ أعجبني الكرسيُّ).
- يمكن تحديد دلالة المدخل
المعجميّ بطرق مختلفة منها: تحديد الدلالة من خلال السمات الدلالية فكل مدلول هو
معنم يحمل مجموعة من المعينمات تتدرج من العام إلى الخاصّ: (+جامد+آلة+ جلوس) أو تحديد
الدلالة من خلال ذكر الأمثلة (الاسم: رجل وفرس وحائط) أو من خلال نماذد طرازيّة (الطائر:
مثل الحمام، النسر...)
- الدلالة يمكن أن تتحدّد من
خلال السياق (عين)أو الاستعمال الحرفي (ثعلب: حيوان) أو المجازي (ثعلب: كناية عن
الخبث) أو من خلال العلاقات المعجميّة (الترادف، التضادّ، الاشتراك...)
II – من قضايا الوحدة المعجميّة:
هل يبدو المعجم قائمة جامدة
من الكلمات؟ أم أنه يثري رصيده بكلمات جديدة تتولّد مع كل عصر ومع كل حاجة جديدة
لكلمات جديدة؟ وهل يخضع توليد الكلمات في المعجم إلى نظام محدّد؟ وهل يوجد نظام
يجمع مختلف مفردات المعجم؟ هذه الأسئلة
يمكن أن ندرسها من خلال ثلاثة محاور أساسيّة: التوليد المعجميّ والعلاقات المعجمية
بين الوحدات المعجمية وعلاقة المعجم بالنحو.
1- التولّد المعجميّ: كلّ لغة لا تكتفي بعدد محدود من
المفردات في نظامها المعجميّ فالوحدات المعجميّة تتجدّد وبعضها يخرج من الاستعمال
وبعضها يقع توليده بناء على حاجة المستخدمين فمثلا في هذا البيت للشاعر الجاهلي
الحارث بن حلّزة نلاحظ أنّ أكثر الوحدات المعجميّة لم تعد مستخدمة في عصرنا:
(خَذِمٍ نَقائِلُها يَطِرنَ
كَأَقطاعِ***الفِراءِ بِصَحصَحٍ شَأسِ) فأكثر الكلمات لا نفهمها اليوم دون قاموس
أمّا في هذا المقطع الشعري
لمحمود درويش فنلاحظ وجود وحدات معجميّة جديدة من المحدث: منها (الطائرات، دقائق،
القصف): أوقفوا الطائراتِ المغيرة خمسَ دقائقَ أُخرى
وكفّوا
عن القصفِ براً وبحراً ثلاثَ دقائقَ أُخرى
يدفعنا ذلك إلى التساؤل
عن المنطق اللساني الذي تتولّد من خلاله الوحدات المعجميّة الجديدة.
هناك أنواع كثيرة من المولّد
يمكن أن تتعلق بالدال أو المدلول أو المرجع أو بالدليل اللغوي بكامله:
|
توليد دال جديد |
دالّ جديد لمدلول قديم: (كفيف، زيّ، أرضيّة، دهن...) |
|
توليد مدلول جديد |
مدلول جديد من دالّ قديم: (جرّار، قطار، حائط) |
|
توليد دال ومدلول ومرجع معا |
(صاروخ/مدفع/دبّابة/لاقط) أركان
الدليل كلها أركان جديدة. |
|
توليد المرجع دون الدال والمدلول |
(هاتف، تعليم عن بعد، اجتماع مغلق...) |
أ-
التوليد الشكلي:
رأينا أن كل وحدة معجميّة تتكوّن من جانب صوتي وجانب صرفي يمثّلان الدال وجانب
دلالي يمثّل المدلول. وحين يحدث التغيير في الجانبين الأولين باعتبارهما جانبين
شكليين يكون التوليد المعجميّ شكليّا. ولذلك نميّز بين التوليد الصوتي والتوليد
الصرفيّ.
* التوليد الصوتيّ: توليد شكليّ لاتوليد الشكلي
يتعلّق بتغيير في الدال من خلال توليد وحدة معجمية جديدة من حيث المعنى بل بشكل
جديد لنفس الوحدة التي تبقى مستخدمة فنحصل على وحدتين الأولى قديمة والثانية جديدة
وهي شكل صوتي جديد: أي أن يطرأ على عنصر الدال تغيير صوتي مثل الإبدال والقلب
المكانيّ والتماثل والتباين. ونجد ذلك خاصّة في اللغة العاميّة: إنجاص، إجّاص/
مكّة، بكّة / نصف، نفص.
* التوليد الصرفي: النوع الأبرز في توليد وحدات
معجميّة جديدة وهو يحدث بالاشتقاق (إسماعيل-اسماعيلية/ حسب-حوسبة/ ذخر-ادّخار...) وقد يحدث بالنحت (ميتالساني، لاإنساني...)
وبالتركيب (ضوء أخضر، رأس المال، رئاسة الحكومة، النظام العالمي...) و بالمَعْجَمة
من خلال توليد وحدة معجميّة جديدة من تعبير شائع(حمدلة، حوقلة، بسملة)
ب-
التوليد الدلاليّ: يحدث
في مستوى المدلول لاالدال فتتخذ العبارة القديمة معنى جديدا وفيه أنواع:
* توليد
بالمجاز: بعض الكلمات
كانت لها دلالة لغوية وانتقلت عبر المجاز إلى معاني جديدة (العقيقة: شعر الرضيع/ وليمة)
(الوردة: نوع خاص من الزهور/ الزهور عموما) (الرسالة: بين شخصين/ البحث العلمي)
* التوليد
بالترجمة: ترجمة
آلية- حاصدة دارسة- جوال – لغة برمجة – أمم متحدة- فأرة- أمن غذائي
* التوليد
بالاقتراض: الاعتماد
على المعرب والدخيل: كمبيوتر، كنغرس، مهندس، تلغراف، سنما، غرافيك
2- العلاقات المعجميّة:
التصوّر التقليديّ للمعجم يعتبره قائمة مغلقة وغير
منظّمة من الكلمات، وكلّ كلمة لها معناها الخاصّ المنفصل عن بقيّة المعاني. لكنّ
الدراسات المعجميّة النظرية تعتبر الوحدات المعجميّة ليست كيانات منفصلة بل هي
تترابط ضمن نظام المعجم بعلاقات دلاليّة متناسقة. فكلمات مثل "إنسان، بشر،
شاب، عجوز، فتى" تحيل على علاقات دلاليّة نسقيّة من بينها: الاشتراك،
الترادف، الاحتواء، الحقل الدلاليّ. فما هي أبرز القضايا الدلاليّة التي تطرحها
تلك العلاقات بين الوحدات الدلاليّة؟
أ- الاشتراك (polysimie) : اللفظ المشترك هو الدال
الواحد الذي يعود على أكثر من مدلول، فمثلا نجد في المعجم ألفاظا تدلّ على معانِ
متعدّدة:
*العين:[عضو في البدن] *العين:[مصدر الماء] *شجن
(الحُزْن/ هوى النفس/ الحاجة) *العمُّ: (أخو الأب/الجمعُ الكثير) *الجون:(الأسْود/
الأبيض) *الأرض: (كوكب/أسفل قوائم الدابة/الرِّعْدة /الزكام).
وقد نجد نوعا مخصوصا من المشترك وهو وجود دال واحد
لمدلولين متعاكسين ويسمّى التضادّ (opposition)
فـ "بان" لفظ يعود على الظهور والابتعاد. لكن ما الذي يجعل المتكلمين
يستندون إلى نفس الدال للتعبير عن مدلولات مختلفة؟ لماذا يقتصر المتكلّمون على لفظ
واحد لتأدية معان مختلفة؟ هل يتعلّق الأمر بمجرّد اقتصاد في الوصف؟
ثمّة أسباب كثيرة اجتهد علماء الدلالة في فهمها
لتفسير ظاهرة الاشتراك وهي تتعلّق بحيويّة اللغة في الاستعمال فالمعجم ليس قائمة
مغلقة وجامدة من المعاني بل هو أبنية دلاليّة تفاعل وتطوّر. يمكن أن يكون سبب
الاشتراك بلاغيّا فما يجعل نفس اللفظ يعود على أكثر من معنى هو دلالته المجازيّة
فلفظا (عين، أرض) كلاهما يحمل دلالة متكرّرة في سائر المعاني (السيلان، الأسفل).
ويمكن أن يكون تطوّر الاستعمال سببا في محافظة اللفظ على دلالة قديمة واكتساب
دلالة جديدة، ويمكن كذلك للتجربة الثقافيّة للمتكلمين أن تكون سببا فطريقة بناء
البيوت عند بعض التونسيين تجعل لفظ "صحن" حاملا لدلالة جديدة تختلف عن
دلالته في المطبخ.
كانت النظرة التقليديّة تحصر الاشتراك الدلالي ضمن
نفس القسم النحوي فيكون الاشتراك الدلاليّ بين معاني الأسماء أو معاني الأفعال
أومعاني الحروف. لكنّ النظريّات العرفانيّة الحديثة توسّعت في هذا المفهوم كثيرا
ومن أعلامها (Lakoff
1982 ; Brugman 1983 ; 1984 ; Sweetser 1984 ; Traugott 1986). ومن
نتائجها أنّ الاشراك يمكن أن يكون بين كلمتين تنتميان إلى قسمين مختلفين:
(يزيد/يزيد). ويمكن حسب بروغمان أن يكون هذا التعدّد الدلالي مدخلا لترتيب تلك
المعاني ترتيبا زمانيّا بناء على تطوّر دلالي في معنى الكلمة (عين: 1-عضوالبصر
2-مصدر الماء 3-جاسوس...). وتحدّثت كاترين فوش في هذا الإطار عن دلالة نواة منها
تنشأ بقيّة الدلالات في المشترك تباعا.
وقد شكّلت قضيّة الاشتراك الدلالي من الاهتمامات
المركزيّة التي حاولت نظريّة الطراز إيجاد تفسيرات لها. يقول لايكوف (1987):
"يمثّل الاشتراك الدلالي حالة خاصّة من عمليّة المَقْولة الطرازيّة حيث تكون
معاني الكلمة الواحدة أمثلة لمقولة واحدة" [1987؛378]. وتشير نظريّة الطراز
في مختلف مراحلها إلى وجود دلالة طرازيّة في المشترك تكون هي الأكثر بروزا وتمثّل
دلالة أصليّة منها تنبثق عبر الزمان بقيّة الدلالات. ولذلك اعتبر كثير من
اللسانيين أنّ المعاني الفرعيّة هي نوع من الضجيج أثناء عمليّة المَقْوَلة فتنتج
معاني فرعيّة حول المعنى الأصليّ. لكنّ نظريّة الطراز تشير إلى أنّ المعاني ليست
مجرّد فروع بل هي معاني جديدة تنشأعن الأصل المادّيّ على سبيل المجاز والمشابهة
والمجاورة.
ب- الترادف (synonymie):
يُعرّف الترادف بأنّه ارتباط دالّين أو أكثر بنفس
المدلول. فمثلا (طريق/ ثنيّة/ درب/سبيل/مسار) جميعها دوالّ تعود نفس المعنى
(المسلك الطويل الذي نقطعه للوصول إلى منتهى). كما نجد أفعالا لها نفس المعنى
تقريبا: [قال، تكلّم، تحدّث، نطق]. فيسمّى كلّ لفظ منها مرادفا (synonyme).
يكون الترادف مطلقا تامّا فيحدث بين كلمتين خارج كل
سياق ومهما تغيّرت المقامات وهو نادر ويتعلق غالبا بأسماء الأعلام وتسمية نفس
الشيء باسمين اثنين ويكون ترادفا جزئيّا سياقيّا: وهو الأكثر انتشارا في العلاقات
الدلاليّة ( ملأ /شغل الوظيفة) ويحدث بسبب السياق التركيبيّ.
لكن هناك اختلاف في وجهات النظر حول حقيقة الترادف.
فهل هناك حقّا تطابق تامّ في مدلولات هذه الألفاظ أم أنّها مدلولات مختلفة ولو
جزئيّا؟ هناك رأيان حول وجود ظاهرة الترادف في اللغة:
* رأي يقرّ بوجود الترادف: وجود ألفاظ لها معنى واحد
له أسباب عند بعض الدارسين، منها:
ـ التنوّع اللهجي بين الجهات أو البلدان: اختلاف
اللهجات في تسمية نفس المدلول: (السيف) [هندوانيّ/ المهنّد / الهَذَّاذ،
الهَذْهَاذِ، الهُذَاهِذ]. (باهي/سمح/مزيان)
- التنوّع بين الفصيح والعامّي: نزوع الخطابات
الرسميّة إلى الفصيح: كرهبة/سيارة عامل/خدّام خشم/أنف.
- تطوّر المعجم: بقاء كلمات قديمة من نفس اللغة مع
وجود كلمات جديدة (البيليك، الباي، كادر/إطار).
ـ التغييرات الصوتيّة: قد تُولد كلمة من أخرى بتغيرات
صوتيّة فتكون في اللغة مفردتان: بكّة/مكّةـ وسم/اسم.
ـ دخول الألفاظ الأعجمية قد تتعايش كلمة ومقابلها
الأجنبيّ في لغة واحدة لهما نفس المعنى: راديو/مذياع ـ حاسوب/ كمبيوتر ـ صوتم/
فونيم – شرطة/ بوليس.
- اختصار لتركيب يدقّق معنى ما: تركيب من لفظين ينفصل
إلى مترادفين فيكون أحدهما تدقيقا للثاني فيأخذ مكانه: جريدة/ يوميّة/ أسبوعيّة.
مجلّة/حوليّة. رزنامة/يوميّة معلّقة/جداريّة
- أسباب تتعلّق بالمَقْوَلَة: مقولات بعضها يتضمن
بعضا لكننا نختار طرازا واحدا في كلّ سياق للتعبير بحسب اختلاف المقام فطريقة
بنائنا للمقولات تجعلنا نختار اسم الفصيلة لنعبّر به عن الجنس العام أو الجنس
العام لنعبّر به عن الفصيلة : الطير←العصفور، ←/الحسون/←(بومزيّن الغرديل) أسماء
تونسية.
* رأي لا يعترف بوجود ترادف في اللغة: هل يوجد معجمان
لنفس اللغة؟ هل يمكن تبادل الكلمات المترادفة بين جميع السياقات دون خلل؟
اللغة لا تأتي بلفظ جديد إلا إذا كانت هناك زيادة في
المعنى ولذلك لا يكون الترادف في اللغة تامّا، وعندما نحلّل لفظين مترادفينتحليلا
معينميّا نجد بينهما تطابقا في السمات الدلاليّة العامّة لكن نجد فروقا في بعض
السمات الدلاليّة الخاصّة: (إنسان: باعتبار النسيان) ≠ (بشر: باعتبار بشرته بادية).
أنهكَ: [أضعف+ شدّة] أعدم:[موت غير
طبيعيّ+عقاب ] ذبح: [موت+قطع
الوريد]
أتعبَ:
[أضعف] قتـل:[موت
غير طبيعي+ مُسبّب] اغتال: [موت+فجئي+سياسة]
الترادف دليل على حيويّة اللغة وتطوّر المعاني.
ج- الاحتواء :
يعني الاحتواء أن يكون معنى كلمة ما جزءا
ضمن معنى عام لكلمة أخرى فمثلا توجد بين هذه الأسماء علاقات احتواء (السيارة
العجلة المقود) فالسيارة معناها عام وبقية الكلمات تحيل على معاني جزئيّة يحتويها
مفهوم السيارة. كذلك الأمر في العلاقة بين معنى (الكتاب) وبقيّة المعاني
الجزئيّة في ( الأسطر، الورق، الغلاف، الفهرس، المقدّمة).
تدلّ علاقة الاحتواء على أنّ المعاني ليست كيانات منفصلة
بعضها عن بعض بل هي مترابطة وتستند إلى تنظيم المقولات في تجارب المتكلمين وفق نسق
محدّد يمكن أن نقول عنه إنّه شكل للمعنى. وقد يكون هذا الشكل الدلالي للعلاقة بين
المعاني كالآتي: الجزء/الكلّ (المقود/ السيارة) أو الفرد /المجموعة (المواطن
/الشعب) أو الشيء/ مادّته (الجلد /الحقيبة) أو المكان/الناحية (صحراء/ واحة).إنّ
هذه العلاقات تعكس طريقة تنظيمنا للمقولات الدلالية في الذهن بناء على تجارب
المتكلمين الثقافيّة. فالدلالات المعجميّة تعكس طريقة تنظيم للكون من حولنا وليست
مجرّد أسماء تطلق على الأشياء.
د- الحقل الدلاليّ (champs lexical)
:
يتعلّق مفهوم الحقل الدلالي بمختلف المعاني والدلالات
التي تثيرها استخدامات مفردة في المعجم في سياقات مختلفة. وهو بذلك يختلف عن
المشترك الدلالي لأنّه لا يتعلّق بمعاني مختلفة يعبّر عنها دال واحد ضمن نظام
المعجم بل بمعنى واحد للمدلول يقع استخدامه في مقامات جديدة فيكتسب بها دلالات
مختلفة فمثلا لفظ "عامل" في اللغة يمكن أن يثير دلالات مختلفة حسب سياق
استخدامنا له فمثلا كلمة بحر: قد تدلّ على المكان الطبيعيّ وقد تدلّ على غزارة
العلم وقد تدلّ الحرّية المطلقة في هذه الاستخدامات (ذهبت إلى البحر/ بحر من
العلم/ عُومْ بحرك). باستثناء أعمال (1939-1949 Leopold) لم يقع
الاهتمام بمبحث الحقل الدلالي في بحوث الدلاليّين إلا في السبعينات Blum et Levenston 1978)).
عموما يمكن أن نستخلص من مبحث العلاقات الدلاليّة أنّ
المعاني في اللغة ليست مجرّد قائمة من الدلالات ترتبط بالكلمات في معجم لغة معيّنة
بل هي تستند إلى نسق من النظام يجعل كلّ معنى ينسج علاقات دلاليّة مع سائر
المعاني. فالدلالة لها نظام ومثلما تشترك الألفاظ كونيّا في خصائص صوتيّة وعلاقات
صوتميّة يكون للمعاني نظام وخصائص كونيّة يمكن أن تدرس في ضوء علاقتها بما ننشئه
من تصوّرات وما تشير إليه في العالم الخارجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق